‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسس العلوم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسس العلوم. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 7 مايو 2026

تقديم الأعمال الكاملة للدكتور حسين فيض الله الهمداني


بقلم: السيد العلامة العلم/ زيد بن علي الوزير

رئيس مركز التراث والبحوث

رئيس منتدى اليمنيات



بسم الله الرحمن الرحيم

(1)



​لم أكن قد تعرفت عليه شخصياً، عندما وصل إلى "تعز" من "القاهرة، في صفر 1376ه/ سبتمبر 1956م، وكان الإمام "أحمد" وقتها في "بيت الفقيه"، فذهب إليه، فاستقبله بكل احترام وتقدير يليق بمكانته، ولعل الإمام هو الذي استضافه، إذ لا دافع آنذاك لديه لزيارة اليمن" في تلك الظروف، خاصة وهو كان مستشاراً "للاتحاد اليمني" المعارض للإمام. فلا بد والحالة على ما وصفت، فإن الغالب عندي أنه وصل مدعواً.


لم أكن قد التقيت به، ولكن أفواجاً من النسيم العاطر كانت تحمل لي أخباره، وهو في "القاهرة"، فأتطلع إلى لقياه، كي أتعرف على هذه الشخصية الفذة، التي يتحدث عنه من عرفه، فقدَّره، وأكبره، وأعجب به كل الإعجاب.

​يعرف الناس عن الدكتور "حسين فيض الله الهمداني" (1382ه/ 1962م)، أنه من كبار المؤرخين المنصفين، المتحررين من الهوى، وقد تجلى ذلك بكل وضوح، عندما كتب عن "المدرسة الإسماعيلية"، التي اضطهدها الحكام المتعصبون، هي و "المعتزلة"، بقسوة فاجعة، ولم يتركوا شيئاً من أنواع العذاب، تقتيلاً وذبحاً، إلا وألحقوهما بهما، خاصة "الإسماعيلية"، التي تحملت الكثير الكثير من المظالم، كما هو معروف في كتب التاريخ.

إزاء ذلك الاضطهاد المرير، لم يكن ثمة من مخرج لهذه "المدرسة" الكريمة، إلا التخفي والاستتار، لتنجو من موت محقق، فاستترت وراء حجاب، هي وكتبها وأفكارها العالية التفكير، وباستتارها وغيابها، تخلّق جو متاح لخصومها، أن يتقولوا فيها الأقاويل، وأن يلصقوا بها ما لم تقله، ولم تفكر به، أو حتى تشير إليه مجرد إشارة عابرة. وسلط الحكام عليهم علماءهم، ليتقولوا عنهم ما يشاؤون، فيهم بغير حساب، ومضى زمن طويل، وهي في دور الستر والاحتجاب صامتة، لا ترد تهمة، ولا تدفع عن نفسها نقمة، خشية السيف المُصلت، والرمح المُشرع، والسوط الدامي، فأتاح ذلك الصمت المقهور، نتيجة ذلك الاضطهاد القاتل، لأكثرية الناس أن يصدقوا ما قيل عنها من افتراءات.


(2)


بقي الإرهاب الرسمي يشن عليهم التهم الباطلة، سنوات طوال، حتى بدأت تظهر كتبهم شيئاً فشيئاً، فتوضح معتقداتهم، وتبعد التهم عنهم، ويعود فضل اكتشاف تلك الكتب - كما يذكر المؤرخون المعاصرون - إلى المستشرق الروسي الكبير "فلاديمير إيفانوف" (1390ه/1970)، الذي أخرج من كتبهم، ما غيرّ الصورة، ونفى عنهم كل رأي معيب. وإذا بنا نرى "مدرسة" تشع بآيات ربها، في إطار من الفلسفة عميق.

وجاءت بحوث الدكتور "حسين فيض الله الهمداني" - وعظمتها أنها من داخل أهل البيت، وهم أدرى بالذي فيه - لتنير جوانب مشعة، وتسلط الضوء على هذه "المدرسة الإسماعيلية"، بما يسقط تلك الدعاوى الظالمة والمظلمة.

ثم تكاثرت البحوث العربية والشرقية، على نحو ما يرويه د "فرهاد دفتري"، في كتابه رفيع المستوى: "الإسماعيليون - تاريخهم وعقائدهم"، وبه وبغيره من الكتب المستكشفة، زادت الإضاءة على من ظُلم، فإذا بنا نقرأ في "المدرسة الإسلامية الإسماعيلية"، ما يقر به قلب كل مؤمن صادق.

(3)


كان الناس إذاً يعرفون الدكتور "حسين فيض الله الهمداني"، المؤرخ الكبير، ذا الباع الطويل في الأبحاث التاريخية الإسماعيلية، وأنه كان من المنصفين، ومن المؤرخين العظماء، الذين يرجع إليهم، وأن كتبه ومقالاته بالعربية والإنكليزية، تشهد له بذلك، وأن ما كتبه ونشره، أصبحت من المراجع التي اعتمد عليها من جاء بعده، ومن عاصره من المؤرخين الكبار، ولكنهم لا يعرفون عن "الهمداني" السياسي الوقور، الذي خاض في غمار السياسة، بدون أن تمسه بتشويه، كما هي عادتها، وذلك لأنه بطبيعة أخلاقه، وحسن سلوكه، استخدم "الكلمة الحسنة" أسلوباً له، لم يحد عنها، سواء أكان مع أولئك الذين يتفقون معه في الرأي، أم أولئك الذين خالفوه؛ لقد كان بالفعل حكيماً وقوراً، بذل جهداً في دعم حركات المعارضة اليمنية باختلاف وجهات نظرها، بدون أن يفقد احترامه، أو يوجه إليه أي مأخذ، أو يُصوّب إليه أي نقد، من أي جهة من الجهات، فكان لهم الحكيم المرشد.

ومن المعلوم أن "القاهرة" كانت تجمع أصنافاً من اللاجئين السياسيين اليمنين، على اختلاف ميولهم وخصوماتهم، وكان لهم من خلال "الإتحاد اليمني" في "القاهرة"، الذي أُسِّسَ بعد "الثورة المصرية" بعام 1372ه/ 1953م، نشاط سياسي، وكان هذا قد أُسِّسَ أصلاً في "عدن"، برئاسة المرحوم "عبد القادر علوان"، ولكن الخلافات ما لبثت أن دبت بين "الإتحاد اليمني" في "القاهرة"، وبين المنتمين إليه أولاً، ثم بين قيادته العلياء، وكان الدكتور "الهمداني" قد اختير مستشاراً له، وقد عمل جهده لإصلاح ذات البين، لكن الخلافات كانت قد بلغت بين هؤلاء المختلفين حداً لا يمكن معه إصلاح، وبالرغم من شدة الخلافات، والاتهامات المتبادلة بينهم، فإن الدكتور "الهمداني" لم يصبه أي رشاش، ولم يلمه أي فريق، وكان الجميع يحترمونه ويقدرونه غاية التقدير، في مناخ كثرت فيه سهام الاتهامات، ونبال النقم.

(4)


والدكتور "حسين الهمداني" - كما سبق القول -، علم بارز في التاريخ اليمني، وبالذات في تاريخ «الإسماعيلية الفاطمية الطيبية»، التي انتجت حضارة متقدمة أثناء عهد "الخلافة الفاطمية" العظيمة، لا تضاهيها أي حضارة في ذلك الزمن.

ومن حسن الأخوين "عباس" و "إبراهيم"، أنهما تعرفا بهذا الدكتور الكبير، عن طريق الأستاذ "حسين المقبلي"، الذي بدوره عرّفه ببقية أعضاء "الاتحاد اليمني"، فازدان به، وليس من شك، أن مكانته العلمية بين كبار العمالقة، كانت محل جذب من مختلف الاتجاهات اليمنية، فسعى إليه كل فريق يطلب وده، ويزين به عمله، ورأى الأستاذان "الزبيري" و"نعمان"، أن يستفيدا من مكانته العلمية، وسمعته الطيبة، فأسندا إليه منصب مستشار منظمتهم. ولكن بدون أن يستشار في شيء؛ لأن آراءه الإصلاحية تختلف عن رؤيتهما. وكان لاختلاف وجهات النظر حول العمل بـ"الشورى"، مصدر خلاف فكك الإتحاد اليمني"؛ لأن الأستاذين "النعمان" و"الزبيري"، لم يقبلا بالتشاور مع الآخرين، مفضلين التشاور بينهما وبين "المخابرات المصرية"، بطريقة سرية، كما كشفها المرحوم "حسين المقبلي"، في كتابه "مذكرات المقبلي"، وحتى أن الأستاذين لم يكونا يستشيرا المستشار الدكتور، الذي أطلق تعبيره الساخر: (أنا المستشار الذي لا يستشار). وإذا كان مستشاراً لا يستشار مع "الاتحاد اليمني"، فقد أصبح مستشاراً لـ"اتحاد القوي الشعبية"، يؤخذ برأيه ونصحه وإرشاده.

ويذكر المرحوم الأستاذ "محمد الرباعي"، العضو السابق والبارز في "الاتحاد اليمني" وقتها، قبل أن يخرج عليه، أنه تعرف بالدكتور "الهمداني" منذ وقت مبكر، وبعد وصوله إلى "القاهرة"، مباشرة، ثم في خلال الفترة التي كان فيها مستشاراً "للاتحاد اليمني"، وطوال فترة العمل معه في الهيئة الإدارية، (وظلت علاقتي به حتى بعد ابتعادي عن الهيئة الإدارية. كان طابع الدكتور الهمداني في الاجتماعات التي يشارك فيها، أن يكون مع أي رأي ومقترح، يؤدي إلى تصويب العلاقات مع تكوينات "الاتحاد اليمني" المختلفة. وكان هذا الموقف الواضح في سلوكه خلال المشاركة داخل الاجتماعات).

ويقول الأستاذ "الرباعي" (1449ه/ 2019م)، أنه بعد خروجه من "الإتحاد اليمني" بفترة: (التقينا أنا والأخ "ابراهيم الوزير" بالأستاذ "الزبيري" صدفة، في مطلع عام1380ه/1961م، وكل منا أت بفرض زيارة الدكتور الهمداني، وهو مريض في أحد المستشفيات، فدار الحوار مع الأستاذ "الزبيري" حول شعار "الجمهورية"، وكان رأيي أن ترديد مجرد شعار أو اسم "الجمهورية" دون فكر وفقه "الجمهورية"، سيعني تغيير يافطة النظام فقط، أما محتويات النظام وسلوكياته وقواعد التعامل داخله فلن تكون مضمونة، وما يخشى منه، أن ينتهي هذا التفكير السطحي بالمعارضة إلى وضع يجدون أنفسهم فيه، وقد نجحوا في تغيير ملابس الحاكم، فنجد أنفسنا أمام "إمام مبنطل"، يمارس ما يمارسه الإمام. فكان رد الأستاذ الزبيري: "أنه من الصعب أن ننتظر حتى يكتمل هذا الفقه وهذا الفكر، ويستوعبه الشعب". فبدا جوابه وكأنه لا يركز على هذا الجانب؛ فكان ردي عليه: "إذا كانت النتيجة هكذا، فعلينا فقط أن ندعو إلى تظاهرة كبرى في تعز، نطالب الإمام فيها بأن "يتبنطل"، وتحل المشكلة". وكان الدكتور الهمداني مستلقياً على سرير مرضه، فكبَّر ونهض من سريره، برغم إعيائه الشديد، وقال مخاطباً الزبيري: "والله، لقد أُحْرِجتَ يا استاذ").

وكان ما شرحه المرحوم "الرباعي"، ووافقه د "الهمداني"، بعضاً من أشكال الخلاف بين تيارين داخل "المعارضة اليمنية" في القاهرة".

ومع أن الخلافات كانت تعصف داخل "الاتحاد اليمني"، فقد حافظ الدكتور بطهر نيته، وسلامة رؤيته، على العلاقات بين أولئك المتخاصمين، فكان مستشاراً صادقاً مخلصاً لمن يطلب منه المشورة، فلا يبخل برأي، ولا يظن بمشورة، لمن يطلب منه الرأي، ويسأل عن المشورة. بل يفيض راشد المشورة بصالح الرأي. لقد كان فعلاً أخاً لكل يمني يحترمه الجميع.

 

(5)


وأعود فأذكر طريقة لقائي به، عندما زار "صنعاء"، كما تقدم ذكره. وبعد أن سمعت عنه كمؤرخ وكسياسي، من خلال رسالة وصلتني من "القاهرة"، من شقيقي المرحوم “إبراهيم بن علي الوزير"(1435ه/ 2014م)، تذكر أنه تعرّف على شخصية فذة، وجد فيها خير صديق: عقلاً وفضلاً وعلماً، وأنه أعجب به أيما إعجاب، واتخذه صديقاً ومرشداً ومستشاراً في نضاله، من أجل الخروج بــ "اليمن" من سباتها العميق.

وقال: إنه من خلال الدكتور "حسين فيض الله الهمداني"، تعرف على الفيلسوف الكبير "مالك بن نبي" (1393ه/ 1963م)، (ذات يوم من عام 1376ه/ 1956م، اجتمعت بالدكتور "حسين الهمداني"، فقال لي: أريد أن أعرفك على إنسان نادر المثال، وستسمع منه كلاماً، رغم دراساتي الفكرية وجولاتي في بعض أنحاء العالم، لم أسمع حكمة، ولا أصغيت إلى متحدث يأسرك بعمق أفكاره. فذهبت معه، ودخلنا شقة متواضعة، يقيم فيها طلبة يدرسون. فحدثنا عن الحضارة وأسبابها وطبيعتها، وما ترسمه من سلوك عام للفرد والجماعة. كما حدَّثنا عن التخلف وأسبابه، وطبيعته، ومظاهره الحياتية، والسلوكية. كما تحدث عن محور الحضارة "واشنطن – موسكو"، ومحور التخلف "طنجة – جاكرتا"، فبهرنا بحديثه. ومن وقتها توثقت صلاتنا به، فأصبح واحداً منا، نبثه شؤننا، ويبثنا همومه، ويضع خبرته العلمية لصالح نضالنا السياسي. ومن وقتها أصبح هذا النضال مرتبطاً بمسار فكره العظيم). وهكذا حظي إبراهيم وحزبه "اتحاد القوى الشعبية"، بصداقة رجلين من أفذاذ الرجال، فكراً وعمقاً وأصالةً.

وكان لهذه الرسالة تأثير كبير عليَّ، لأن أتطلع بلهف إلى معرفة هذين الرجلين الكبيرين، فكان لي ذلك، أن التقيت أولاً بالدكتور الهمداني، عندما جاء إلى "صنعاء" - كما أشرت في افتتاحية هذا المقال -، وتشرفت بمقابلته في "دار الضيافة"، وكنت مسروراً بالغ السرور بلقياه، وكنت أزوره كل يوم، وأقعد معه الساعات الطوال، وكانت شخصيته تشع بالوقار واللطف والبساطة، كان بقامته الفارعة، ووجهه السمح، فتمثل أمامي وقار عالم يستشرف أفاقاً واسعة، فيملي ما يعلمه بأناة ووضوح، تشد المستمع إليه شداً محكماً.

هكذا بقيت أتردد إليه كل يوم، فاقضي ساعات في رحابه، كما يقضي بقية زواره، وقالت "جريدة الإيمان": إنه وصل إلى "صنعاء" بالطائرة من "تعز"، (وقضى بها أياماً، زار خلالها "دار العلوم" و"المكتبة العامة" بـ"جامع صنعاء"، واجتمع بعدد من "علماء صنعاء"، كما زار "منتزه الروضة"، وبعض الأماكن المجاورة)، وقد بهروا بشخصيته العلمية المتواضعة، وعلمه الواسع.

وكنت أداوم على زيارته كل يوم، فاستمع إلى حديثه العذب، الذي يتقطر هادئاً مليئاً عميقاً، كما يتقطر الندى على الزرع الظامئ، فينعشه ويحييه، وكان يقابل زواره بطبيعة واحدة، سواء أكان موظفاً كبيراً، أم زائراً بسيطاً، كان تلقائياً في سلوكه، غير متكلف. وأذكر أنه كان من جملة من كان يزوره، اللواء "عبد الله جزيلان" (1431ه/ 2019م)، كبير مخططي "الانقلاب العسكري"، التي أعلنت الجمهورية، وغيره من الشخصيات الرسمية والعلمية، والشباب المثقف، وهكذا بقيت أزوره كل يوم، إلى أن عاد إلى "تعز"، فـودعته في المطار، فسافر إلى "تعز"، ثم إلى "القاهرة"، وكان فراقاً مؤلماً.

وعندما زرت "القاهرة" لأول مرة، كان واجبي أن يكون أول من أزوره، لمكانته وصداقته، فقمت مع الإخوة "إبراهيم" و "قاسم" و "علي عاصم"، بزيارته عدة مرات، وكانت عادتي أن أبدأ بزيارته في كل مرور بـ"القاهرة، وكثيراً ما نتغدى على مائدته الكريمة، وآخر مرة زرته فيها، وتشرفت بالبقاء على مائدته، بعد خروجه من المستشفى، وكان آخر اجتماعي معه، إذ غادرت بعدها إلى "المانيا"، حيث فجعت بخبر رحيله إلى ربه، نقي الثوب، طاهر اللسان والقلب، عام 1382ه/ 1962م، رضي الله عنه وأرضاه.

(6)


​وقد ترك الدكتور المرحوم أبحاثاً ومقالات ومؤلفات كثيرة، كلها مفيد، خدم بها التاريخ أجل خدمة، وقدم له جديداً مثمراً باللغة العربية والإنجليزية، فاستفاد مما جاء به المحافل العلمية بمعظم اللغات، وكان لا بد لهذا التراث المتنوع، أن يجمع في "أعمال كاملة"، ليسهل على القراء الاطلاع على تلك الكنوز التاريخية، والعقلية الفلسفية التي احتوته، وفي سبيل هذه الغاية النبيلة، قام حفيده الدكتور "عمرو بن معدي كرب بن حسين الهمداني" بهذا الواجب العلمي خير قيام، فجمع كل ما كتبه جده الكبير، وأصدرها في "أعمال كاملة"، وقدم لها بتمهيد غني، وبمقدمة خصبة، تناولت مكانة الدكتور الكبير "حسين بن فيض الله الهمداني"، الذي فاض علمه على حقول تاريخية وعلمية، فأثرى تلك الحقول بزرع نظير، ودرس كل كتاب على حدة، بحيث من يقرأها في خطوطها العامة، يجد نفسه منجذباً إليها، مشتاقاً إلى تفاصيل ما فيها، توّاقاً إلى معرفة كنوزها المكتشفة. وليس بغريب على الدكتور "عمرو"، أن ينهض بهذا الدور، فهو من أسرة علمية أعواماً بعد أعوام، عاش بين العلم والتاريخ والأدب، كما عاش آباء له سابقون.

وليس من شك، أن الدكتور "عمرو الهمداني" - وكم لهؤلاء "الهمدانيين" من خدمات علمية -، أحسن كل الإحسان، بما جمع من كتب الدكتور الكبير، وأنه بهذا العمل المجيد، قدم خدمات علميه كبيرة، ليس فقط لخدمة جده الكبير، وليس فقط "للمدرسة الإسماعيلية"، وليس "لليمن" فحسب، بل وللعلم الإنساني كله، فتحية له وإعجاباً به.

وإزاء هذا التراث الضخم، فليس في إمكاني أن ألم في هذا التقديم بهذا التراث الضخم، خاصة وقد تكرم الدكتور "عمرو" بشرحها، بما يرغب فيها، ويشد الناس إلى قراءتها، أما أنا، فحسبي أن أشير فقط إلى وجود حديقة غناء، تحتوي على زهور وورود، فتملأ ما حولها عطراً وشذى، وتنشره إلى أصقاع بعيدة.​

فالرحمة الإلهية للمؤلف الكبير، والشكر الجزيل للمحقق الدقيق، والتهنئة بهذا الكنز الدُّري للقراء الكرام.

5/5/2026م

السبت، 5 فبراير 2011

الــــديمــقــراطيـــة


الــــديمــقــراطيـــة
 فاطمة معديكرب  - باحثة




تمهيد:
الديمقراطية تعني في الأصل حكم الشعب لنفسه، لكن كثيرا ما يطلق اللفظ علَى الديمقراطية الليبرالية لأنها النظام السائد للديمقراطية في دول الغرب، وكذلك في العالم في القرن الحادي والعشرين، وبهذا يكون استخدام لفظ "الديمقراطية" لوصف الديمقراطية الليبرالية خلطا شائعا في استخدام المصطلح سواء في الغرب أو الشرق، فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثريّة بينما الليبرالية تؤكد على حماية حقوق الأقليّات والأفراد وهذا نوع من تقييد الأغلبية في التعامل مع الأقليات والأفراد بخلاف الأنظمة الديمقراطية التي لا تشتمل على دستور يلزم مثل هذه الحماية والتي تدعىبالديمقراطيات اللاليبرالية، فهنالك تقارب بينهما في امور وتباعد في اُخرى يظهر في العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية كما قد تختلف العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية باختلاف رأي الأغلبية.
وتحت نظام الديمقراطية الليبرالية أو درجةٍ من درجاتهِ يعيش في بداية القرن الواحد والعشرين ما يزيد عن نصف سكّان الأرض في أوروبا والأمريكتين والهند وأنحاء أخرَى. بينما يعيش معظمُ الباقي تحت أنظمةٍ تدّعي نَوعاً آخر من الديمقراطيّة (كالصين التي تدعي الديمقراطية الشعبية).
ويطلق مصطلح الديمقراطية أحيانا على معنى ضيق لوصف نظام الحكم في دولة ديمقراطيةٍ، أو بمعنى أوسع لوصف ثقافة مجتمع. والديمقراطيّة بهذا المعنَى الأوسع هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير إلى ثقافةٍ سياسيّة وأخلاقية معيّنة تتجلى فيها مفاهيم تتعلق بضرورة تداول السلطة سلميا وبصورة دورية.
اشتقاق الكلمَة
أمّا لغويّاً، فالديمقراطيّة كلمةٌ مركبة مِن كلمتين: الأولى مشتقة من الكلمة اليونانية Δήμος أو Demos وتعني عامة الناس، والثانية Κρατία أو kratia وتعني حكم. وبهذا تكون الديمقراطية Demoacratia تَعني لغةً 'حكم الشعب' أو 'حكم الشعب لِنفسهِ'.
مفاهيم وقِيَم الديمقراطية
الديمقراطية هي حُكمُ الأكثريّة لكن النوع الشائع منها (أي الديمقراطية الليبرالية) يوفر حمايةُ حقوق الأقليات والأفراد عن طريق تثبيت قوانين بهذا الخصوص بالدستور، ويتجلّى كلّ ركنٍ في عدَدٍ من المفاهيم والمبادِئ سوف نبسُطها تالياً. ويندرُ أن تحوذَ دولةٌ أو مجتمعٌ ما علَى هذه المفاهيم كلها كاملةً غير منقوصة، بل أنّ عدَداً من هذه المفاهيم خِلافِيّ لا يَلقَى إِجماعاً بَين دعاة الديمقراطية المتمرّسين.

مبادئ تحكيم حكم الأكثرية ومفاهيمه
وهي مفاهيم ومبادِئ مصممةٌ حتَّى تحافظ الأكثريّة علَى قدرتها علَى الحكم الفعّال والأستقرار والسلم الأهلي والخارجي ولمنع الأقليّات من تعطيل الدولة وشلّها:
· مبدأ حكم الأكثرية
· مبدأ فصل السلطات ومفهوم تجزيء الصلاحيات
· مبدأ التمثيل والانتخاب
· مفهوم المعارضة الوفية
· مفهوم سيادة القانون
· مفهوم اللامركزية
· مبدأ تداول السلطات سلميا
مفهوم التوازن
تبدأُ فكرة التوازن من أنّ مصالح الأكثريّة قد تتعَأرضُ مع مصالح الأقليّات والأفراد بشكلٍ عام، وأنّهُ لا بد من تحقيق توازن دقيق ومستدام بينهما (ومن هنا فكرة الديمقراطية الليبرالية). وتتمدَّد هذه الفكرة لتشملَ التوازن بيَن السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائِيّة، وبين المناطق والقبائِل والأعراق (ومن هنا فكرة اللامركزيّة)، وبين السلطات الدينيّة والدنيوِيّة (ومن هنا فكرة العلمانية).
مفهوم الشرعية السياسية والثقافة الديمقراطية
تعتمد كل أشكال الحكومات على شرعيتها السياسية، أي على مدى قبول الشعب بها، لانها من دون ذلك القبول لا تعدو كونها مجرد طرف في حرب أهلية، طالما ان سياساتها وقراراتها ستلقى معارضة ربما تكونمسلحة. وباستثناء من لديهم إعتراضات على مفهوم الدولة كالفوضويين والمتحررين (Libertarians) فإن معظم الناس مستعدون للقبول بحكوماتهم إذا دعت الضرورة. والفشل في تحقيق الشرعية السياسية في الدول الحديثة عادة ما يرتبط بالإنفصالية والنزاعات العرقية والدينية أو بالاضطهاد وليس بالإختلافات السياسية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود أمثلة على الإختلافات السياسية كالحرب الأهلية الإسبانية وفيها إنقسم الإسبان إلى معسكرين سياسيَيْن متخاصمَيْن.
تتطلب الديمقراطية وجود درجة عالية من الشرعية السياسية لأن العملية الانتخابية الدورية تقسم السكان إلى معسكرين "خاسر" و"رابح". لذا فإن الثقافة الديمقراطية الناجحة تتضمن قبول الحزب الخاسر ومؤيديه بحكم الناخبين وسماحهم بالانتقال السلمي للسلطة وبمفهوم "المعارضة الموالية" أو "المعارضة الوفيّة". فقد يختلف المتنافسون السياسيون ولكن لابد أن يعترف كل طرف للآخر بدوره الشرعي، ومن الناحية المثاليةيشجع المجتمع على التسامح والكياسة في إدارة النقاش بين المواطنين. وهذا الشكل من أشكال الشرعية السياسية ينطوي بداهةً على أن كافة الأطراف تتشارك في القيم الأساسية الشائعة. وعلى الناخبين أن يعلموا بأن الحكومة الجديدة لن تتبع سياسات قد يجدونها بغيضة، لأن القيم المشتركة ناهيك عن الديمقراطية تضمن عدم حدوث ذلك.
إن الانتخابات الحرة لوحدها ليست كافية لكي يصبح بلد ما ديمقراطياً: فثقافة المؤسسات السياسية والخدمات المدنية فيه يجب أن تتغير أيضاً، وهي نقلة ثقافية يصعب تحقيقها خاصة في الدول التي إعتادت تاريخياً أن يكون انتقال السلطة فيها عبر العنف. وهناك العديد من الأمثلة المتنوعة كفرنسا الثورية وأوغندا الحالية وإيران التي إستطاعت الاستمرار على نهج الديمقراطية بصورة محدودة حتى حدثت تغييرات ثقافية أوسع وفتحت المجال لظهور حكم الأغلبية.
تاريخ الديمقراطية
الديمقراطيات القديمة
إن مصطلح الديمقراطية بشكله الإغريقي القديم- تم نحته في أثينا القديمة في القرن الخامس قبل الميلاد والديمقراطية الأثينية عموماً يُنظر إليها على أنها من أولى الأمثلة التي تنطبق عليها المفاهيم المعاصرة للحكم الديمقراطي. كان نصف أو ربع سكان أثينا الذكور فقط لهم حق التصويت، ولكن هذا الحاجز لم يكن حاجزاً قومياً ولا علاقة له بالمكانة الاقتصادية فبغض النظر عن درجة فقرهم كان كل مواطني أثنيا أحرار في التصويت والتحدث في الجمعية العمومية. وكان مواطنو أثينا القديمة يتخذون قراراتهم مباشرة بدلاً من التصويت على اختيار نواب ينوبون عنهم في إتخاذها. وهذا الشكل من الحكم الديمقراطي الذي كان معمولاً به في أثينا القديمة يسمى بالديمقراطية المباشرة أو الديمقراطية النقية. وبمرور الزمن تغير معنى "الديمقراطية" وإرتقى تعريفها الحديث كثيراً منذ القرن الثامن عشر مع ظهور الأنظمة "الديمقراطية" المتعاقبة في العديد من دول العالم.
أولى أشكال الديمقراطية ظهرت في جمهوريات الهند القديمة والتي تواجدت في فترة القرن السادس قبل الميلاد وقبل ميلاد بوذا. وكانت تلك الجمهوريات تعرف بالـ ماها جاناباداس، ومن بين هذه الجمهوريات فايشالي التي كانت تحكم فيما يعرف اليوم ببيهار في الهند والتي تعتبر أول حكومة جمهورية في تاريخ البشرية. وبعد ذلك في عهد الإسكندر الكبير في القرن الرابع قبل الميلاد كتب الإغريق عن دولتي ساباركايي وسامباستايي، اللتين كانت تحكمان فيما يعرف اليوم بباكستان وأفغانستان، " وفقاً للمؤرخين اليونانيين الذين كتبوا عنهما في حينه فإن شكل الحكومة فيهما كان ديمقراطياً ولم يكن ملكياً"
تطوّر القيم الديمقراطية في العصور الوسطى
معظم الديمقراطيّات القديمة نمت في مُدنٍ صغيرة ذات ديانات محليّة أو ما يسمَّى ب المدينة-الدولة. وهكذا فإِنّ قيام الإِمبراطوريات والدول الكبرى مثل الإِمبراطورية الفارسيّة والإِمبراطورية الهلّينية-الرومانيّةوالإِمبراطورية الصينية والإِمبراطورية العربيّة-الإِسلامية والإِمبراطورية المغولية في العصور الوسطى وفي معظم البلاد التي كانت تضمُّ الديمقراطيات الأولى قد قضى علَى هذه الدويلات الديمقراطية بل علَى فُرص قيامها أيضاً. لكنَّ هذا لا يعني أنَّ تطَوّراً بٱتجاهِ الديمقراطية لم يحصل في العصور الوسطى. ولكنّ معظم هذا التطوّر حصل علَى مُستوَى القِيَم وحقوق الأفراد الذي نتج عن قِيَم الليبرالية التي نشأت مع فلاسفة التنوير توماس هوبز وجون لوك وإيمانويل كانط قبل تحقيق تقدم ملموس في الديمقراطية وهو الذي أدى إلى ازدهار نموذج الديمقراطية الليبرالية دون غيرها من الديمقراطيات في الغرب.
وقد ساهمت الدياناتُ الكبرَى كالمسيحية والبوذية والإسلام في تَوطيد قِيَمٍ وثقافاتٍ ساعدت علَى ازدهار الديمقراطية فيما بعد. ومن هذه القيم:
· فكرة شرعيّة الدَولة.
· فكرَة المساواة الكاملة بَين القبائِل والأعراق بشكلٍ عام.
· فكرَة المساواة ولو جُزئيّةً بَين الأفراد ولا سيّما بَين الجنسَين وبين الأسياد والعبيد.
· أفكار عن المسؤُوليّة والمسَاءَلة والتعاون والشورَى.
· الدفاع عن حقوقٍ عديدة مثل افتراض البراءة وحرية التنقل وحقوق الملكية وحق العمل.
الديمقراطيات الحديثة
لم يكن يوجد في عام 1900 نظام ديمقراطي ليبرالي واحد يضمن حق التصويت وفق المعايير الدولية، ولكن في العام 2000 كانت 120 دولة من دول العالم أو ما يوازي 60% من مجموعها تعد ديمقراطياتليبرالية. إستنادا على تقارير مؤسسة بيت الحرية  وهي مؤسسة أمريكية يزيد عمرها عن 64 عاما، هدفها الذي يعبر عنه الاسم والشعار هو نشر "الحرية" في كل مكان، كانت هناك 25 دولة في عام 1900 أو ما يعادل 19% منها كانت تطبق "ممارسات ديمقراطية محدودة"، و 16 أو 8% من دول العالم اليوم.
إن تقييم بيت الحرية في هذا المجال لا زال مثاراً للجدل فنيوزلندا مثلاً تطبق المعايير الدولية لحقوق التصويت منذ عام 1893 (رغم وجود بعض الجدل حول قيود معينة مفروضة على حقوق شعب الماوري في التصويت). ويتجاهل بيت الحرية بأن نيوزيلندا لم تكن دولة مستقلة تماماً. كما إن بعض الدول غيّرت أنظمة حكمها بعد عام 2000 كالنيبال مثلاً والتي صارت غير ديمقراطية بعد أن فرضت الحكومة قانون الطواريء عقب الهزائم التي لحقت بها في الحرب الأهلية النيبالية.
موجات الديمقراطية في القرن العشرين
لم يتخذ توسع الديمقراطية في القرن العشرين شكل الانتقال البطيء في كل بلد على حدة، بل شكل "موجات ديمقراطية" متعاقبة، صاحب بعضها حروب وثورات. وفي بعض الدول تم فرض الديمقراطية من قبل قوى عسكرية خارجية. ويرى البعض ذلك تحريراً للشعوب. لقد أنتجت الحرب العالمية الأولى الدول القومية في أوروبا والتي كان معظمها ديمقراطياً بالاسم فقط كمجمهورية فايمار مثلاً. في البداية لم يؤثر ظهور هذه الدول على الديمقراطيات التي كانت موجودة حينها كفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وسويسرا التي إحتفظت بأشكال حكوماتها.  لا أن تصاعد مد الفاشية في ألمانيا النازية وإيطاليا، موسوليني ونظام الجنرالف فرانكو في أسبانيا ونظام أنطونيو دي أوليفيرا سالازار في البرتغال ساهمت كلها في تضييق نطاق الديمقراطية في ثلاثينيات القرن الماضي وأعطت الإنطباع بانه "عصر الحكام الدكتاتوريين" بينما ظلت معظم الدول المستعمرة على حالها لقد تسببت الحرب العالمية الثانية بحدوث إنتكاسة شديدة للتوجه الديمقراطي في أوروبا الشرقية. فاحتلال ألمانيا ودمقرطتها الناجحة من قبل قوة الحلفاء العليا خدمت كنموذج للنظرية التي تلت والخاصة بتغيير النظام، ولكن نصف أوروبا الشرقية أرغم على الدخول في الكتلة السوفيتية غير الديمقراطية. وتبع الحرب إزالة الاستعمار، ومرة أخرى سادت في معظم الدول المستقلة الحديثة دساتير لا تحمل من الديمقراطية سوى التسمية فقط. في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية إمتلكت معظم الدول الديمقراطية الغربية اقتصاديات السوق الحرة والتي نجم عنها دول الرفاهية وهو ما عكس إجماعاً عاماً بين الناخبين والأحزاب السياسية في تلك الدول أما في الخمسينات والستينات فقد كان النمو الاقتصادي مرتفعاً في الدول الغربية والشيوعية على حد سواء، ومن ثم تناقص ذلك النمو في الدول الشيوعية. وبحلول عام 1960 كانت الغالبية العظمى من الدول أنظمة ديمقراطية بالاسم فقط، وهكذا فإن غالبية سكان العالم كانت تعيش في دول شهدت انتخابات معيبة وأشكالاً أخرى من التحايل (وخاصة في الدول الشيوعية)
لقد أسهمت الموجات المتعاقبة من الدمقرطة في تسجيل نقاط إضافية للديمقراطية الليبرالية للعديد من الشعوب. أما الضائقة الاقتصادية في ثمانينات القرن الماضي فقد ساهمت إلى جانب الإمتعاض من قمع الأنظمة الشيوعية في انهيار الإتحاد السوفيتي وإنهاء الحرب الباردة ودمقرطة وتحرر دول الكتلة السوفيتية السابقة. وأكثر الديمقراطيات الجديدة نجاحاً كانت تلك القريبة جغرافياً وثقافياً من دول أوروبا الغربية، وهي الآن إما دول أعضاء أو مرشحة للإنتماء إلى الإتحاد الأوروبي.
معظم دول أمريكا الاتينية وجنوب شرق آسيا مثل تايوان وكوريا الجنوبية وبعض الدول العربية والأفريقية مثل لبنان والسلطة الفلسطينية – فقد تحركت نحو تحقيق المزيد من الديمقراطية الليبرالية خلال عقد التسعينات وعام 2000. إن عدد الأنظمة الديمقراطية الليبرالية الآن أكثر من أي وقت مضى وهو يتزايد منذ مدة دون توقف. ولهذا يتوقع البعض بأن هذا التوجه سيستمر في المستقبل إلى الحد الذي ستصبح فيه الدول الديمقراطية الليبرالية المقياس العالمي لشكل المجتمع البشري. وهذا التنبوء يمثل جوهر نظرية فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ"
أشكال الحكم الديمقراطي
· الديمقراطية المباشرة وتسمى عادة بالديمقراطية النقية وهي الأقل شيوعا وتمثل النظام الذي يصوت فيه الشعب على قرارات الحكومة مثل المصادقة على القوانين أو رفضها وتسمى بالديمقراطية المباشرة لأن الناس يمارسون بشكل مباشر سلطة صنع القرار من دون وسطاء أو نواب ينوبون عنهم. وتاريخياً كان هذا الشكل من أشكال الحكم نادراً نظراً لصعوبة جمع كل الأفراد المعنيين في مكان واحد من أجل عملية التصويت على القرارات. ولهذا فإن كل الديمقراطيات المباشرة كانت على شكل مجتمعات صغيرة نسبياً وعادة ما كانت على شكل دول المدن، وأشهر هذه الديمقراطيات كانت أثينا القديمة، وفي العصر الحالي سويسرا هي أقرب دولة إلى هذا النظام.
· الديمقراطية النيابية وهي نظام سياسي يصوت فيه أفراد الشعب على اختيار أعضاء الحكومة الذين بدورهم يتخذون القرارات التي تتفق ومصالح الناخبين. وتسمى بالنيابية لأن الشعب لا يصوت على قرارات الحكومة بل ينتخب نواباً يقررون عنهم. وقد شاع هذا الشكل من الحكم الديمقراطي في العصور الأخيرة وشهد القرن العشرين تزايداً كبيراً في اعداد نظم الحكم هذه ولهذا صار غالبية سكان العالم يعيشون في ظل حكومات ديمقراطية نيابية (وأحياناً يُطلق عليها "الجمهوريات").
وبالإمكان تقسيم الديمقراطيات إلى ديمقراطيات ليبرالية (حرة) وغير ليبرالية (غير حرة). فالديمقراطية الليبرالية شكل من أشكال الديمقراطية تكون فيها السلطة الحاكمة خاضعة لسلطة القانون ومبدأ فصل السلطات، ويضمن دستور الدولة للمواطنين (وبالتالي للأقليات أيضا) حقوقاً لا يمكن إنتهاكها. أما الديمقراطية غير الليبرالية (غير الحرة) فهي شكل من أشكال الديمقراطية لا توجد فيها حدود تحد من سلطات النواب المنتخبين ليحكموا كيفما شاؤوا.


علم الأثار

علم الأثار 
صفاء الجاوري -باحثة تاريخية 

علم الآثار (أو علم العاديّات؛ الأركَيُلُوجِيا)
دراسة علمية لمخلّفات الحضارة الإنسانية الماضية. تدرس فيه حياة الشعوب القديمة، وذلك بدراسة مخلفاتها. وتشمل تلك المخلفات أشياء مثل: المباني والعمائر، والقطع الفنية، والأدوات والفخار والعظام. وقد تكون بعض الاكتشافات مثيرة، مثل قبر فيه حُلي ذهبية، أو بقايا معبد فخم. إلا أن اكتشاف قليل من الأدوات الحجرية أو بذور من الحبوب المتفحمة، ربما يكشف بشكل أفضل عن جوانب كثيرة من حياة الشعوب. وتوثيق أنواع الأكل المستخدمة قديما، ما يكشف أوجه الشبه بين حياة أولئك القوم وحياتنا الحالية. وما يكتشفه عالم الآثار، بدءًا من الصروح الكبيرة وانتهاء بالحبوب، يسهم في رسم صورة عن معالم الحياة في المجتمعات القديمة. إن البحث الآثاري هو السبيل الوحيد لكشف حياة المجتمعات التي وُجدت قبل اختراع الكتابة منذ خمسة آلاف عام تقريبًا. كما أن البحث الآثاري نفسه يشكِّل رافدًا مهمًا في إغناء معلوماتنا عن المجتمعات القديمة التي تركت سجلات مكتوبة.
تصنيف علم الآثار
يُعدُّ علم الآثار في القارة الأمريكية، فرعًا من علم الإناسة (الأنثروبولوجيا) وهي دراسة الجنس البشري وتراثه الفكري والمادي. ويرى علماء الآثار في أوروبا أن عملهم هذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بميدان علم التاريخ، غير أن علم الآثار يختلف عن علم التاريخ من جهة أن المؤرخين يدرسون، بصورة رئيسية مسيرة الشعوب استنادًا إلى السجلات المكتوبة.
يتطلع علماء الآثار إلى معرفة الكيفية التي تطورت بها الحضارات، وإلى معرفة المكان والزمان الذين حدث فيهما هذا التطور. وكذلك يبحث هؤلاء ـ شأنهم شأن دارسي العلوم الاجتماعية ـ عن أسباب التغيرات الأساسية التي جعلت الناس في العالم القديم، يتوقفون عن الصيد ـ مثلاً ـ ويتحولون إلى الزراعة. ويطوِّر آثاريون آخرون نظريات تتعلق بالأسباب التي حدت بالناس لبناء المدن وإقامة الطرق التجارية. وبالإضافة إلى ذلك يبحث بعض علماء الآثار عن الأسباب الكامنة وراء سقوط المدنيات السابقة، كحضارة المايا في أمريكا الوسطى، وحضارة الرومان في أوروبا.
مواد علم الآثار والدليل الأثري
يدرس الآثاريون أي دليل يمكن أن يساعدهم على فهم حياة الناس الذين عاشوا في الأزمنة القديمة. وتتراوح الأدلة الأثرية بين بقايا مدينة كبيرة، وبعض قطع الحجارة، التي تدل على صناع الأدوات الحجرية منذ أزمان بعيدة. ويمكن ذكر الأنواع الأساسية للدليل الأثري وهي:
· اللقى المصنوعة المنقولة
أو المعثورات المصنوعة، هي المواد التي صنعها الإنسان ويمكن أن تنقل من مكان إلى آخر دون إحداث تغيير على مظهرها. وهي تشتمل على مواد مثل المشغولات الحجرية كالنّصال والآواني ومشغولات الزينة كالخرز. كما يمكن أن تشتمل ـ بالنسبة إلى مجتمع ذي تاريخ مكتوب ـ على الألواح الطينية وعلى سجلات أخرى مكتوبة
· اللقى المصنوعة الثابتة
تتألف بصورة رئيسية، من البيوت والحُفر والمقابر وقنوات الري، ومنشآت عديدة أخرى، قامت ببنائها الشعوب القديمة. وخلافًا للأدوات، فإنه لا يمكن فصل اللقى الثابتة (الظواهر) عن محيطها، دون أن يحدث تغيير في شكلها.
· اللقى الطبيعية
هي المواد الطبيعية التي توجد جنبًا إلى جنب مع الأدوات والمصنوعات الثابتة. وتكشف هذه المعثورات طريقة تفاعل الناس في العصور القديمة مع محيطهم. وتشتمل اللقى الطبيعية ـ على سبيل المثال ـ على البذور وعظام الحيوانات.
الموقع الأثري
هو المكان الذي يضم الدليل الأثري. ولفهم سلوك الناس الذين شغلوا موقعًا أثريًا، لابدّ من دراسة العلاقات بين الأدوات المصنوعة والعمائر واللقى الطبيعية، التي اكتشفت في ذلك الموقع الأثري. فمثلاً اكتشاف رؤوس رماح حجرية قرب عظام نوع من الجواميس المنقرضة في موقع ما في ولاية نيو مكسيكو، يبين أن تلك الجماعات البشرية المبكرة، كانت تصطاد الجواميس في تلك المنطقة.
جمع المعلومات الأثرية
يستخدم علماء الآثار تقنيات ووسائل خاصة لجمع الدليل الآثاري جمعًا دقيقًا ومنهجيًا، ويحتفظون بسجلات تفصيلية عن المعثورات الأثرية، لأن التَّنقيب الآثاري المفصل يتلف البقايا الأثرية موضع البحث.
تحديد الموقع
تحديد الموقع الأثري هو الخطوة الأولى، التي يجب على عالم الآثار القيام بها. وربما تكون المواقع الأثرية موجودة فوق سطح الأرض، كما قد تكون تحت سطح الأرض، أو تحت الماء. وتشتمل المواقع الموجودة تحت الماء على سفن غارقة، أو مدن بأكملها غمرتها المياه نتيجة تغيرات طرأت على سطح الأرض أو على مستوى الماء. وقد يتم تحديد بعض المواقع الأثرية بسهولة، لأنها تُشاهَد بالعين المجردة، أو يمكن تعقب أثرها من خلال الأوصاف التي وردت عنها في المرويات القديمة، أو السجلات التاريخية الأخرى. وهناك مواقع أثرية، أقل وضوحًا قد تكتشف بالصدفة
مسح منطقة
يستخدم علماء الآثار مناهج علمية للعثور على المواقع الأثرية. والطريقة التقليدية لاكتشاف جميع المواقع الأثرية في منطقة ما، تتم من خلال المسح سيرًا على الأقدام. بحيث يتباعد الآثاريون بعضهم عن بعض بمسافات معينة، ويسيرون في اتجاهات مرسومة. وكان كل فرد يبحث عن الدليل الآثاري، وهو سائر إلى الأمام. ويستخدم الآثاريون هذه الطريقة عندما يرغبون في تمييز المنطقة، التي تضم مواقع أثرية عن تلك التي لا يوجد فيها مثل هذه المواقع. فمثلاً يمكنهم استخدام هذه الطريقة، للتأكد من أن المواقع الأثرية لمنطقة معينة موجودة في قمم التلال وليس في الوديان. ويتَّبع علماء الآثار طرقًا علمية للمساعدة على كشف المواقع الأثرية الموجودة تحت السطح. فالتصوير الجوي، مثلاً، يُظهر اختلافات في نمو النباتات التي تشير بدورها إلى وجود دليل آثاري. فالنباتات الأطول في بقعة من الحقل قد تكون مزروعة فوق قبر قديم، أو فوق قناة للري. أما النباتات الأقصر الموجودة في بقعة أخرى من الحقل، فقد تكون مزروعة في أرض ضحلة فوق عمارة قديمة أو طريق. وبالإضافة إلى ذلك تستخدم كواشف معدنية، لمعرفة ما إذا كانت هناك أدوات معدنية، سبق أن دُفنت في الأرض على عمق لا يزيد على 180سم.
مسح الموقع
أول مرحلة من مراحل الدراسة لموقع ما، هي وصف هذا الموقع. فيسجل هؤلاء ملاحظات تفصيلية حول مكان الموقع، ونوع الدليل الآثاري الشاخص على سطحه. كما يلتقطون صورًا لهذا الموقع. ويقوم الآثاريون برسم خرائط لمعظم المواقع الأثرية التي يتم اكتشافها. ويعتمد نوع الخريطة المرسومة على أهمية الموقع وأهداف الدراسة ومقدار الوقت والمال المتوافرين. ويَعْمد هؤلاء ـ في بعض الأحيان ـ إلى رسم خرائط مبسطة بعد أن تتم عملية قياس الأبعاد، سواء بالخطوات أو باستخدام شريط القياس. وتستخدم في حالات أخرى، أدوات خاصة لمسح الموقع الأثري بعناية، ولرسم خرائط تفصيلية له. وبعد رسم الخريطة يجمع العلماء بعض الملتقطات الموجودة على سطح الموقع الأثري. ثم يقومون بتقسيم السطح إلى مربعات صغيرة، ودراسة كل مربع على حدة. وبعد ذلك يسجلون على الخريطة المواضع التي وجدت فيها الأدوات. ويمكن أن تُقدِّم لنا أماكن الملتقَطات السطحية معلومات عن زمان وكيفية استخدام الموقع. هنالك مجموعة من الطرق المستخدمة في المسح الاثري منها: طريقة المسح السيزمي (المسح بالموجات الزلزالية).
تنقيب الموقع
ينقب الآثاريون بحذر بحثًا عن المواد المدفونة في عملية تدعى بالتنقيب الآثاري، وتعتمد طريقة التنقيب الآثاري جزئيًا على نوع الموقع. فمثلاً يمكن للآثاريين الذين يعملون في كهف، أن يُقسِّموا أرضية الكهف والبقعة الموجودة أمامه إلى وحدات على شكل مربعات صغيرة. ومن ثم ينقبون في كل وحدة على انفراد. وقد يحفر الآثاريون، الذين يعملون في رصيف معبد، خندقًا أمام الرصيف، ومن ثم يمدون الخندق نحو الأرض المجاورة للرصيف. وفي المواقع الكبيرة يمكن حصر التنقيب في أجزاء معينة من الموقع، كما أن هناك اعتبارات أخرى تقرر في الأغلب منهج التنقيب الآثاري، مثل المناخ وتربة الموقع. وتتباين الأدوات التي تستخدم في الحفريات بين الجرَّارات والآليات الثقيلة الأخرى والمحافير الصغيرة والفُرش. وفي بعض الحالات يقوم الآثاري بغربلة التربة للحصول على اللقى الصغيرة. وفي حالات أخرى يقوم بتحليل التربة في المختبر، لاكتشاف البذور وحبوب اللقاح أو أية تحولات كيميائية، نتجت عن المخلفات البشرية.
تنقيب تحت الماء
يستخدم الآثاريون الذين يعملون تحت الماء طرقًا عديدة، تم اقتباسها من علم الآثار الأرضي. وقد يكشف التصوير الجوي، فوق مياه صافية المعالم الرئيسية لموانئ أو مدن مغمورة. ويساعد استخدام المسح السوناري، الذي يعتمد على الموجات الصوتية على كشف المواد المغمورة تحت الماء. ويستخدم الغواصون، أيضًا أجهزة كشف معدنية خاصة بكشف المواد المعدنية. ويمكن رسم الخرائط التصويرية للمواقع من الغواصات، أو من قِبل الغواصين الذين يحملون آلات للتصوير تحت الماء. ويعمل الآثاريون في مواقع تحت الماء، وهم داخل حجرات عازلة للضغط، وصالحة للعمل تحت الماء. وتُستخدم البالونات لرفع المعثورات الكبيرة إلى سطح الأرض بغية دراستها بصورة أوسع ودقة أكثر.
التوثيق
تسجيل الدليل الآثاري والاحتفاظ به من أهم مراحل العمل حيث يقوم الآثارين بوصف وتصوير وإحصاء اللقى. ثم يقومون بتصنيفها إلى مجموعات وفقًا لأنواعها ومواقعها. فمثلاً يُحتفظ بالقطع الفخارية، التي تسمى أحيانًا الفِلَق أو الكِسَر الخزفية، من كل وحدة من وحدات التنقيب، ومن كل طبقة فيها، في مجموعات منفصلة، ثم تنقل إلى المختبر الميداني، لتنظف وتدوَّن عليها المعلومات الخاصة بالوحدة والطبقة التي جاءت منها. ويجب أن تبذل عناية فائقة، في المختبر الميداني، للمحافظة على الأشياء المصنوعة من مواد كالمعدن والخشب. فمثلاً المواد الخشبية المشبعة بالماء، قد تتشقق أو تفقد شكلها عندما تتعرض للهواء، ولذلك يجب الاحتفاظ بها رطبة إلى حين يتمكن الاختصاصيون بالترميم، من صيانتها.
تفسير اللقى
يتبع الآثاريون ثلاث خطوات أساسية في تفسير الدليل الذي يعثرون عليه وهي:
التصنيف
يمكن للآثارين تفسير اللقى الأثرية، إذا ما استطاعوا معرفة أنماط انتشار الأدوات زمانًا ومكانًا. وللوصول إلى هذه الأنماط يجب عليهم أولاً تصنيف الأدوات في مجموعات تحوي كل مجموعة معثورات متشابهة. والنظامان الأساسيان للتصنيف هما: النوعي والتتابعي (التتابع الطرزي).
التصنيف النوعي
تصنف المواد ضمن مجموعات حسب مواد صناعتها، وطرق صنعها، ووظائفها. وتدعى كل مجموعة من هذه اللقى نوعًا. فمثلاً تُمثِّل جميع الأواني الفخارية المتشابهة التي يعثر عليها في موقع واحد نوعًا واحدًا، في حين تُمثِّل أواني أخرى متشابهة من موقع آخر نوعًا آخر.
التصنيف التتابعي النمطي
ترتب المواد ذات النوع الواحد كلها في سلسلة تعكس التغيرات في النمط (الطراز). وهذه التغيرات إما أن تكون قد حصلت تدريجيًا مع مرور الزمن، أو نتيجة انتشار ثقافة منطقة في مناطق أخرى. وفي حالات كثيرة يجب معرفة عمر المواد لتحديد المادة الأولى والأخيرة في السلسلة.
التأريخ
لعلماء الآثار طرق مختلفة لتحديد أعمار المعثورات القديمة ويمكن تقسيم هذه الطرق إلى نوعين أساسيين هما:
التأريخ النسبي
محاولة معرفة قِدم بعض اللقى بالنسبة لبعضها الآخر. ولهذا فإن طريقة التأريخ النسبي تقدم مقارنات ولا تقدم تواريخ حقيقية. فمثلاً يستطيع علماء الآثار تحديد الأعمار النسبية للعظام التي يعثرون عليها في موقع ما، من خلال قياسهم لما تحتويه هذه العظام من الفلور، ذلك لأن الفلور في المياه الجوفية يحل محل عناصر أخرى في العظام ويزداد بمرور الزمن. وبالتالي فإن العظام الأقدم عمرًا هي تلك التي تحتوي على كمية أكثر من الفلور.
التأريخ المطلق
يحدد عمر المعثور بالسنوات. وهناك طرق عديدة للتأريخ المطلق. والطريقة التي تستخدم في كل حالة ترتكز بصورة رئيسية على نوعية المادة التي يحدد تأريخها. والطريقة الأوسع استخدامًا لتحديد تأريخ بقايا النباتات القديمة أو الحيوانات أو الكائنات البشرية هي التأريخ بالكربون المشع. وتعتمد هذه الطريقة على حقيقة مفادها أن الكائنات الحية كلها تمتص باستمرار نوعين من ذرات الكربون، وهما الكربون 12 والكربون 14. وتسمى ذرات الكربون 14 أيضًا بالكربون المشع، وهي ذرات غير مستقرة، وتتحول إلى ذرات نيتروجينية. ولذلك فعندما يموت كائن ما فإن نسبة الكربون 14 إلى الكربون 12 تتناقص بدرجة معينة لتصل إلى نسبة معروفة. ونتيجة لهذا يستطيع علماء الآثار حساب عمر عينة ما عن طريق قياس كميات الكربون 12 والكربون 14 المتبقية فيه. وتعد الطريقة التقليدية المتبعة في قياس الأعمار دقيقة لحساب أعمار الكائنات التي تعود إلى 50000 سنة. أما التقنية الأحدث التي تستخدم الجهاز الذي يُعرف بمعجل الجسيمات، فهي تعد طريقة دقيقة لحساب أعمار الكائنات التي يصل عمرها إلى 60000 سنة. وهذا ينطبق أيضًا حتى على أصغر العينات. يستخدم علماء الآثار تأريخ الأرجون ـ بوتاسيوم لإيجاد أعمار تكونات صخرية معينة تحوي مواد أثرية. وتحتوي هذه الصخور على البوتاسيوم 40 المشع، الذي يتحول إلى غاز الأرجون 40 بنسبة ثابتة. ويقوم العلماء بقياس كمية كل عنصر موجود ثم احتساب عمر الصخرة. وقد استخدمت هذه الطريقة لتأريخ تكونات صخرية وعظام وأدوات وُجدت بشرقي إفريقيا. وقد وُجِدَ أن عمر الصخرة حوالي مليون وثلاثة أرباع المليون سنة مما يشير إلى أن العظام والأدوات أيضًا من العمر نفسه. وأفضل طريقة معروفة لتأريخ الخشب هي التأريخ بحلقات الأشجار. وتقوم هذه التقنية على احتساب حلقات النمو السنوية الظاهرة على المقاطع العرضية للأشجار المقطوعة. ويقوم علماء الآثار بمطابقة نموذج حلقات شجرة قديمة، يُعثَر عليها في موقع ما، مع حلقات تلك المواد الخشبية القديمة لتحديد عمر الموقع. ويعتبر التأريخ بحلقات الأشجار هو الأكثر دقة في كافة مجالات التأريخ، ولكنه يُستخدم فقط مع المواد الخشبية التي لا يتجاوز عمرها حوالي 8000 سنة.
الدراسة والتحليل
يقوم علماء الآثار بدراسة الأدوات والظواهر وتحليلها بغية الحصول على معلومات مثل: كيف صنعت الأدوات وأين استخدمت. وفي بعض الأحيان يحصل العلماء على معلومات من خلال التجربة المباشرة. ففي أواسط الثمانينيات من القرن العشرين قام آثاريون من كمبردج بإنجلترا بإعادة بناء سفينة إغريقية كلاسيكية وتسمى تريريم وأبحروا بها. وبهذه الطريقة تعلموا الكثير عن صناعة السفن الإغريقية وفن الملاحة في العصور القديمة. وتساعد الأدوات والظواهر على تفسير الحياة الاجتماعية التي كانت قائمة في الأزمنة القديمة. فحجم البيوت يمكن أن يبين عدد الناس الذين كانوا يعيشون في بيت واحد. وتدل كمية الأحافير التي يُعثر عليها في أحد القبور وقيمتها، على الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الشخص المدفون. أما تقويم المعثورات الطبيعية، فيكشف عن معلومات، مثل نوع الطعام الذي كان الناس يتناولونه وما إذا كانوا ينتجون المحاصيل أو يجمعون النباتات البرية. ويمكن للمعثورات الطبيعية أن تكشف أنماط الهجرات القديمة. فوجود بذرة من الحبوب غريبة عن المنطقة مثلاً، يمكن أن يكشف عن كيفية وتاريخ انتقال المواد من مكان إلى آخر. وقد يقوِّم الآثاريون الدليل الأثري بمساعدة متخصصين في حقول أخرى. فعلماء الحيوان يساعدون في التعرف على عظام الحيوانات، وطرق الذبح التي كانت سائدة. كما يقوم علماء النبات بتحليل البذور، ليحصلوا على معلومات حول النشاطات الزراعية القديمة. ويعمل مع الآثاريين أيضًا متخصصون آخرون مثل الجيولوجيين والمعماريين والمهندسين. ويعمد المتخصصون في بعض الحالات إلى تشغيل أجهزة الحاسوب التي تيسّر عملية التقويم وتعجّل بها إلى حد كبير.