بقلم: أ. د / عبد العزيز صالح بن حَبتُور
رئيسُ
جامعةِ عَدَن الأسبقُ.
عُضوُ المجلسِ السِّياسيِّ الأعلى في
الجُمهوريَّةِ اليمنيَّةِ / صنعاءَ.
نائبُ
رئيسِ المُؤتمرِ الشَّعبيّ العامّ.
يتردَّدُ
اسمُ المُفكِّرِ اليمنيِّ الكبيرِ حُسينِ بنِ فيضِ اللهِ الهمدانيّ (1901- 1962م )
كثيراً جداً في أروقةِ الجامعاتِ اليمنيَّةِ والعربيَّةِ وحتى الأجنبيَّةِ؛
باعتبارِهِ أحدَ أبرزِ المُجتهدينَ الأوائلِ في اليمنِ في قضايا الفكرِ الفلسفيّ
الدينيّ، والتاريخِ الإسلاميّ، وقدَّمَ أطروحتَهُ العلميَّةَ ببراعةٍ نادرةٍ في
إحدى الجامعاتِ البريطانيَّةِ المرمُوقةِ يومَذاك وهي جامعةُ لندن / كليَّةُ
الدراساتِ الشَّرقيَّةِ والأفريقيَّةِ في العامِ 1931م، وحصلَ منها على أطروحةِ
الدُّكتوراة ذاتِ القيمةِ العِلميَّةِ الرَّفيعة.
إذاً فهو من بينِ أوائلِ اليمنيينَ وعربِ الجزيرةِ العربيَّةِ الذينَ حصلوا على شهادةِ الدُّكتوراة في حقلِ المعرفةِ الأكاديميَّةِ في زمنٍ شحَّ فيهِ المُتخرِّجُونَ من فئةِ الأعلامِ المُستنيرينَ الأكاديميينَ في ذلكَ التاريخِ.
تشيرُ
المصادرُ التاريخيَّةُ المُوثَّقةُ عن شخصيَّةِ المُفكِّرِ الهمدانيّ بأنَّهُ
يتمتَّعُ برُؤيةٍ استشرافيَّةٍ نحو المُستقبلِ، وكونَهُ ينتمي إلى طبقةِ
المُثقَّفينَ فهو يُدركُ الدَّورَ المُهمَّ الذي يضطَّلعُ بهِ التَّعليمُ،
والكتابُ، والوثيقةُ الثقافيَّةُ والتّأريخيَّةُ، ولهذا تقدَّمَ بطلبٍ إلى
النّظامِ المَلكيِّ يومَذاك بالسَّماحِ ؛ لفتحِ مكتبةٍ مركزيَّةٍ في العاصمةِ
صنعاءَ كي تكونَ مكتبةً عامَّةً يرتادُها مُحبُّو الثقافةِ والتنويرِ من مُختلفِ
شرائحِ المُجتمعِ اليمنيّ، لكن للأسفِ رفضتِ السُّلطاتُ السّياسيَّةُ يومَذاكَ أن
تحقِّقَ لَهُ طلبَهُ السَّاميَ ورغبتَهُ
التنويريَّةَ السامية .
كما
تشيرُ المصادرُ بأنَّهُ كانَ واحداً مِمَّن هيَّأوا، ومهَّدوا لبزوغِ الثَّورةِ
اليمنيَّةِ الأمِّ 26/سبتمبر 1962 م، من خلالِ كتاباتِهِ، وأطرُوحاتِهِ
الثوريَّةِ، وشغلِهِ موقعَ مُستشارٍ لتجمُّعِ الثُّوَّارِ والأحرارِ اليمنيينَ
والمُسمَّى ( الاتحادُ اليمنيُّ في مدينةِ القاهرةِ ) عاصمةِ جُمهوريَّةِ مِصرَ
العربيَّةِ، وكانَ ذلكَ بتاريخِ 1953 م، علماً بأنَّ هذا التجمُّعَ الثوريَّ قد
تأسَّسَ في مدينةِ عدن قبلَ هذا التاريخِ وبقيادةِ المُناضلِ اليمنيِّ الثوريِّ /
عبدِ القادرِ علوانَ، ومن بينِ النُّشطاءِ في هذا التَّجمُّعِ السياسيِّ اليمنيِّ
الأخوةُ، الأستاذُ / حُسين المُقبلي، الشَّاعرُ / مُحمَّد محمُود الزبيري،
والأستاذُ / أحمد مُحمَّد النُّعمان، هذا التَّجمُّعُ الاتحاديُّ السّياسيُّ
المُناهِضُ للنظامِ المَلكيِّ الإماميِّ الذي عملَ بهِ الدُّكتُور الهمدانيّ
مُستشاراً سياسيَّاً وفكريَّاً لفترةٍ من الزَّمنِ، بيدَ أنَّ الدُّكتُور /
الهمدانيّ يحملُ رُؤيةً وفكراً وطنيَّاً يمنيَّاً حُرَّاً يختلفُ كثيراً عن
مُنتسبي ذلكَ الاتحادِ، وقالَ مقولتَهُ المشهُورةَ بأني ذلكَ المُستشارُ الذي لا
يُستشارُ من قبلِ هؤلاءِ القيادةِ ويقصدُ بذلكَ، الزبيريَّ والنُّعمانَ، وقد
أكَّدَها كتابُ الأستاذِ / حُسين المُقبلي في كتابِهِ ( مذكِّراتُ المُقبليّ ).
مَن
يقرأ تاريخَنا السّياسيَّ الإسلاميَّ في مراحلِ تاريخِ الخلافةِ بعناوينِها
المُتعدِّدةِ، وكذلكَ تاريخِ الدُّولِ والدُّويلاتِ الإسلاميَّةِ المُتعاقِبةِ،
ولو بقراءةٍ عابرةٍ فسيجدُ القارئُ اللبيبُ بأنَّ هناكَ أهوالاً، ومطبَّاتٍ
تاريخيَّةً مُرعبةً، وجرائمَ حدثتْ في التاريخِ، حتى أنَّكَ في أحايينَ عدَّةٍ لا
تُصدِّقُ ما حدثَ، وتقولُ في ذاتِكَ أيعقلُ أنَّ ذلكَ يحدثُ في مُؤسَّسةِ حُكمٍ
سياسيٍّ إسلاميٍّ يستندُ إلى نصُوصٍ قُرآنيَّةٍ طاهرةٍ مُنزلةٍ من ربِّ
السَّماواتِ والأرضِ، وكذلكَ وجودُ سرديَّاتٍ، ورواياتٍ عدَّةٍ مُتناقِضةٍ
تناقُضاً حادَّاً حدَّ القطيعةِ، أمامَ تلكَ الشَّواهدِ التاريخيَّةِ العاصِفةِ من
تجاربَ قد مرَّتْ، وولَّتْ، وأضحتْ في ذمَّةِ التاريخِ.. نعم تحتاجُ هنا إلى عقولٍ
راكزةٍ، وهادئةٍ وموضُوعيَّةٍ،وحصيفةٍ متجردة تقبلُ المُعطياتِ التاريخيَّةَ
الَّتي لا جدالَ حولَها ولا خلافَ؛ من أجلِ الوصُولِ إلى استنتاجاتٍ علميَّةٍ
تاريخيَّةٍ تستفيدُ منها الأجيالُ الإسلاميَّةُ في قادِمِ الزَّمانِ، خاصَّةً إذا
ما أدركنا تعقيداتِ المشاريعِ التآمريَّةِ التي تُحاكُ على الأمَّتينِ العربيَّةِ
والإسلاميَّةِ من قبلِ مُنظِّري الحركةِ الصُّهيونيَّةِ التي لا تتركُ شاردةً، ولا
واردةً إلا واستغلَّتْها لصالحِ مشروعِها التدميريّ ضدَّ الأديانِ والأممِ،
والقوميَّاتِ المُتنافِسةِ في هذا العصرِ الرَّديء .
من
وحيِ هذا التاريخِ المُتشابكِ، والمُتناقضِ والمُعقَّدِ تاريخيٍّاً ينبري
المُفكِّرُ / حُسين الهمدانيّ؛ يخوضَ جهادَهُ الفكريَّ، والعلميَّ، والسِّياسيَّ
والأكاديميَّ الكبيرَ؛ لدراسةِ تاريخٍ، ووقائعَ عن مضمُونِ ( فكرِ إخوانِ
الصَّفاءِ الفلسفيَّةِ، والخطِّ اليمنيِّ التاريخيِّ المُسند، وتجربةِ الحُكمِ في
الخلافةِ الفاطميَّةِ، وغيرِها من المدارسِ، وكذلكَ حلَّلَ في كتبِهِ: ( المدرسةَ
الإسماعيليَّةَ ) وهي إحدى المدارسِ الاجتهاديَّةِ في الإسلامِ لدى الطائفةِ
الشّيعيَّةِ الإسلاميَّةِ الكريمةِ، لكنَّ هَذِهِ المدرسةَ الإسماعيليَّةَ
تعرَّضتْ لانتقاداتٍ حادَّةٍ، بلْ عداءٍ صريحٍ بواحٍ من قبلِ عددٍ مِنَ
المُنظِّرينَ، والمُفكِّرينَ من طائفتَي السُّنَّةِ الإسلاميَّةِ، والشِّيعةِ
الإسلاميَّةِ، أي كلتا الطائفتينِ لهما حُججُهما السياسيَّةُ، والدينيَّةُ
والثقافيَّةُ على منهجِ وسُلوكِ المدرسةِ الإسماعيليَّةِ، التي تُعدُّ إحدى
الطوائفِ الإسلاميَّةِ الكريمةِ المُتحدِّرةِ من المذهبِ الشِّيعيِّ الإسلاميِّ
الحنيفِ.
تاريخُنا
الإسلاميُّ الطويلُ جدَّاً مُزدحمٌ، ومُتراكمٌ بالعديدِ من التناقضاتِ الحادَّةِ
حدَّ التشكيكِ، والتخوينِ والقتلِ ضدَّ بعضِهم البعضِ، والتشكيكُ في عقيدةِ
بعضِهمُ البعضِ هي أخطرُ، وأضرُّ الأسبابِ المُؤدِّيةِ إلَى إضعافِ جوهرِ الإسلامِ
الحنيفِ، لكنَّنا نؤكِّدُ - للقُرَّاءِ الكرامِ - بأنَّ جميعَ الشَّرائعِ
السَّماويَّةِ، و الأديانِ الأرضيَّةِ، وبدونِ استثناءٍ لأيِّ منهم، قد مرَّتْ
بهذهِ الحالةِ المَرضيَّةِ، وعبَرتْ في تجربتِها التَّطبيقيَّةِ بمثلِ تلكَ
الاتهاماتِ، والتخوينِ والإنكارِ الكُلِّيّ، أو الجُزئيّ للعقيدةِ الدِّينيَّةِ
لهذا المُعتقدِ أو ذاكَ، نعم هذه إشكاليَّةٌ تأريخيَّةٌ ثقيلةٌ، وقد دفعَ في
سبيلِها المُؤمنونَ جميعاً من كلِّ الفِرقِ الدِّينيَّةِ المذهبيَّةِ المُتصارعةِ
أثماناً باهِظةً جدَّاً جدَّاً جدَّاً.
المُفكِّرُ
الهمدانيّ، وفي عشرينيَّاتِ القرنِ الماضي سافرَ إلى كلِّ بلدٍ يعتقدُ بأنَّهُ
سيجدُ ضالَّتَهُ في الحصُولِ على مرجعٍ علميٍّ موثُوقٍ يتَّكِئُ عليهِ، وهاجرَ إلى
قلبِ أوربا في الوقتِ الذي كانت تغلي فيهِ بلدانُها في مِرجلِ الحربِ العالميَّةِ
الأولى، والتحضيرِ للحربِ العالميَّةِ الثانيةِ، ومع ذلكَ تنقَّلَ، وسافرَ،
وترحَّلَ؛ بحثاً عن الحقيقةِ العلميَّةِ في أُطروحاتِهِ الدّينيَّةِ،
والسّياسيَّةِ والثقافيَّةِ، هكذا همُ العُلماءُ النُّجباءُ الذينَ خدمُوا،
ومازالوا أوطانَهُم، وعلمَهُم، وعقيدتَهُم وشُعوبَهُم.
ليتخيَّلْ
معي القارئُ اللبيبُ بأنَّ اسمَ قبيلةِ الهمدانيّ - مع أسماءَ عدَّةٍ من القبائلِ
اليمنيَّةِ العريقةِ السَّبئيَّةِ، والحميريَّةِ والمذحجيَّةِ - ظلَّ صداها، وجرسُ
رنينِها ولحنُها، ونغمُها يتردَّدُ في ذهني، وذاكرتي منذُ زمنِ الطفولةِ
المُبكِّرةِ حَتَّى غدوتُ اليومَ في السَّبعينَ من عُمري، ومازالَ ذلكَ النَّغمُ
يرنُّ في عقلي، ووجداني؛ لأنَّ تلكَ الأسماءَ القبليَّةَ لليمانيينَ ارتبطتْ دُونَ
سواها برسولِنا الأعظمِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم،[ عندَما
كتبَ الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ - كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بالجنَّةِ - إلى النبيِّ
/ مُحمَّدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّم، يُبشِّرُهُ بإسلامِ قبيلةِ همدانَ، خرَّ
النبيُّ ساجداً شُكراً للهِ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ وقالَ: «السلامُ على همدانَ،
السلامُ على همدانَ»]، هل هناكَ مكرُمةٌ عظيمةٌ في هذهِ الحياةِ أعظمَ من هذا
القولِ للنبيِّ العظيمِ مُحمَّدِ بنِ عبدالله (صلواتُ اللهِ عَلَيهِ)؟.
تخيَّلوا
معي من بينِ جميعِ أضابيرِ، وملفَّاتِ تلكَ الاختلافاتِ التاريخيَّةِ الدِّينيَّةِ
والأخلاقيَّةِ ينبري ذلكَ العالمُ الجليلُ، والمُفكِّرُ الألمعيُّ الدُّكتور /
حُسين الهمدانيّ؛ ليُقارعَ العُلماءَ، والأكاديميينَ وحَتَّى المُتعصِّبينَ
الُجهلاءَ، الحُجَّةُ بالحُجَّةِ والفكرةُ بأختِها والدَّليلُ بنقيضِهِ، هذا هو
المجالُ والصَّرحُ العلميُّ الذي تتبارى فيهِ العقولُ، والأفكارُ والأدلَّةُ
القطعيَّةُ، فلهُ في قبرِهِ الطَّاهرِ كلُّ التقديرِ والاحترامِ، والثناءِ،
والدَّعواتِ الدِّينيَّةِ الإسلاميَّةِ الخالصةِ بأن يُسكنَهُ اللهُ فسيحَ
جنَّاتِهِ مع الصِّدِّيقينَ، والشُّهداءِ، وأولياءِ اللهِ الصَّالحينَ.
في
الأخيرِ أودُّ أن أهنِّئَ الأخَ والصَّديقَ الدُّكتُور / عمروَ بنَ معدي كرب بنَ
حُسين الهمدانيّ على جُهودِهِ العلميَّةِ الأكاديميَّةِ التوثيقيَّةِ العظيمةِ
المُباركةِ، أهنِّئُهُ على نشاطِهِ الفكريِّ والتوثيقيِّ الصَّائبِ، كما أهنِّئُهُ
على أنَّهُ حرصَ على جمعِ وتوثيقِ الأعمالِ الفكريَّةِ والفلسفيَّةِ العظيمةِ
لجدِّهِ العالمِ الجليلِ / حُسين الهمدانيّ، فجزاهُ اللهُ خيرَ الجزاءِ على كلِّ
هذا الجهدِ؛ لحفظِ تُراثِ أجدادِهِ العُظماءِ من آلِ همدانَ سدنةِ تاريخِ اليمنِ
العظيمِ، وهو الأكاديميُّ سليلُ، ووريثُ عُلماءِ اليمنِ وفقهائِهِ الكرامِ.
{وَفَوْقَ
كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيْمٌ}.
6/6/2026م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق